سعيد حوي

1617

الأساس في التفسير

الخامسة التي ستمرّ معنا إنما هي امتداد لما قبلها ، فالجولة إذن تفصّل في محور السورة بشكل واضح ، وهي مع تفصيلها للمحور لها سياقها الخاص بها ، فهي ترينا نماذج على القهر الإلهي في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، فلنتذكر ونحن نقرأ ما تبقّى من الجولة : السياق الخاصّ لها وهو : عرض نماذج من القهر الإلهي ، والحكمة والعلم الإلهيين . ولننتقل إلى المجموعة الخامسة في الجولة . المجموعة الخامسة قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ . أي : لا ينسبونك إلى الكذب ولكن يكذّبون ما جئت به وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ فيه دلالة على أنهم ظلموا بجحودهم ، والمعنى أن تكذيبك تكذيب للّه لأنّك رسوله المصدّق بالمعجزات ، فهم لا يكذّبونك في الحقيقة ، وإنّما يكذّبون اللّه ، لأن تكذيب الرّسول تكذيب للمرسل وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فتلك طبيعة النفس البشرية الكافرة في كل عصر أنها تكذّب الرّسل فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا الصبر : حبس النفس على المكروه ، والمعنى : أنّهم صبروا على تكذيب قومهم وإيذائهم حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا . أي : استمر صبرهم حتى جاءهم النّصر ، فما بعد التكذيب والإيذاء إلا النصر ، وما بعد الصبر ، إلا النصر ، تلك سنة اللّه في دعوته ورسله ، قال صاحب الظلال : « إن موكب الدعوة إلى اللّه موغل في القدم ، ضارب في شعاب الزمن ، ماض في الطريق اللاحب ، ماض في الخط الواصب . . مستقيم الخطى ، ثابت الأقدام . يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل ، ويقاومه التابعون من الضالين والمتبوعون ، ويصيب الأذى من يصيب من الدعاة . وتسيل الدماء وتتمزق الأشلاء . . والموكب في طريقه لا ينحني ولا ينثني ، ولا ينكص ولا يحيد . . والعاقبة هي العاقبة ، مهما طال الزمن ومهما طال الطريق . . إن نصر اللّه دائما في نهاية الطريق » . هذه سنة اللّه - عزّ وجل - ولذلك عقّب اللّه - عزّ وجل - على قوله : حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا بقوله : وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ . أي : لمواعيده في نصرة رسله وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ . أي : ولقد جاءك بعض أنبائهم وقصصهم ، وما